الحارث المحاسبي

5

آداب النفوس ( ويليه كتاب الوهم )

فقال فيما أخرجه ابن ماجة والبيهقي والحاكم عن عمر : « اليسير من الرياء شرك . . . إن اللّه يحب الأبرار الأتقياء الأخفياء الذين إن غابوا لم يفتقدوا ، وإن حضروا لم يعرفوا ، قلوبهم مصابيح الهدى ، يخرجون من كل غبراء مظلمة » . والغبراء المظلمة : الفتنة العمياء . هكذا كان الرسول صلّى اللّه عليه وسلم على مستوى مسئوليته العظمى في تبليغ الرسالة ، وفي بيان مقاصد القرآن ، من فقه أعمال القلوب إلى جانب فقه أعمال الجوارح ، فكما أن لأعمال الجوارح شروطا للصحة والقبول فكذلك أعمال القلوب لها نفس الشروط في الصحة والقبول ، وكان صلّى اللّه عليه وسلم في قمة المستويات الفكرية العالمية حين صور مستقبل العالم الإسلامي حينما يسيطر الرياء القلبي على أعمال الناس الظاهرة بالجوارح ، فقال فيما أخرج الترمذي عن أبي هريرة : « يخرج في آخر الزمان رجال يختلون ( يسرقون ) الدنيا بالدين ، يلبسون للناس جلود الضأن من اللين ، ألسنتهم أحلى من العسل ، وقلوبهم قلوب الذئاب ، يقول اللّه عز وجل : أبي يغترون أم عليّ يجترئون ؟ فبي حلفت لأبعثن على أولئك منهم فتنة تدع الحليم حيرانا » . وهذه الصورة ذات دلالة واضحة على أن هناك مشقة في الحفاظ على القلوب من طوارق الرياء والنفاق ، وإن تسلل الرياء إليها أمر محتم إذا لم تكن هناك مذاكرة دائمة ، ومراقبة صارمة ، وتفتيش دقيق في كل خفقة يخفقها القلب وفي كل خاطر يساوره . ولقد كان الصحابة رضوان اللّه عليهم والجيل الأول من التابعين ، لا يفترون عن التذكر والتدبر ، ومحاسبة النفس ، وتفتيش القلب ، والرقابة عليه ، حتى بلغ من أمر حنظلة الأسدي أن شك في أيمانه حينما لاحظ أنه يكون في مجلس الرسول صلّى اللّه عليه وسلم حاضر القلب ، حديد البصيرة ، فإذا انقلب إلى أهله ، ومارس حياته الخاصة نسي ما كان يحس به ويعانيه ، فشاور أبا بكر في هذا الأمر ، فأخبره أبو بكر أنه يجد مثل ما يجد ، وعليهما أن يستفتيا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، ولما ذهبا إليه طمأنهما إلى أنهما بريئان من النفاق ، ولكن « ساعة وساعة » : يعني : لا بد من ترويح النفس بالمباح ، حتى لا تقعد بصاحبها عن العمل . لم يكن هناك انفصال إذن بين فقه أعمال القلوب وفقه أعمال الجوارح ، بل كانت الرابطة وثيقة بينهما ، والعناية بليغة بهما ، ولم يكن هناك فصام في شخصية الإنسان المسلم بحيث يكون قلبه في واد وجوارحه في واد آخر ، ولهذا لم تكن بالمسلمين حاجة إلى مزيد من الدراسات والتفاصيل حول أعمال القلوب ، لا سيما وأن الحياة لم تكن قد أصيبت بزحام